الرياض - اليرموك

المترولوجيا : أمن وعدالة وازدهار

لقد أولت الشريعة الإسلامية الغرّاء عناية فائقة بتحقيق العدالة في المعاملات، واعتبرت ضبط المكاييل والموازين جزءًا من إقامة العدل وصون الحقوق. فقد روى الإمام البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قوله : “كان الصاع عل عهد النبي صلى الله عليه وسلم مدا وثلثاً بمدكم اليوم”، في دلالة على دقة القياس والحرص على توحيده زمن النبوة. ومن هذا المنطلق، اعتنى علماء المسلمين عبر العصور بضبط المقاييس الشرعية، خاصة بما يتعلق بها إخراج الزكاة، باعتبارها ركيزة من ركائز العدالة الاجتماعية.

في عالم اليوم، تخضع جميع المعاملات التجارية والصناعية — محليًا ودوليًا — إلى معايير دقيقة للقياس، حيث أصبحت الدقة في القياسات عنصرًا حاسمًا في تحقيق العدالة التجارية ورفع جودة المنتجات والخدمات. وفي ظل تنافس الدول على تعزيز مكانتها الاقتصادية، برز علم المترولوجيا كأداة محورية في تنظيم الأسواق وضمان النزاهة في التبادل التجاري.

وعلى الرغم من أن الإنسان عرف القياس منذ فجر الحضارة لتيسير التبادلات، فإن العصر الحديث تميّز بتوحيد هذه القياسات، وإخضاعها لأنظمة رقابة قانونية وفنية دقيقة تضمن الشفافية والموثوقية.

فما هو علم المترولوجيا؟
وما أهميته في حماية الحقوق وتحقيق المصلحة العامة؟
وما هي الأسس القانونية التي يستند إليها في المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول؟

يمكن تعريف علم المترولوجيا بأنه العلم المعني بالمقاييس ووحدات القياس. وقد ازدادت الحاجة إلى توحيد هذه الوحدات بشكل كبير بعد الثورة الصناعية، حين أدرك المصنعون أن اختلاف المقاييس من بلد إلى آخر قد يؤدي إلى صعوبات في الإنتاج والتجارة. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما يُروى عن حادثة قطار حاول العبور من أوروبا إلى روسيا، لكنه توقف لأن مقاسات سكك الحديد الأوروبية لم تكن متوافقة مع المقاسات الروسية.

هذا التحدي يُعيد إلى الأذهان ما لاحظه السائب بن يزيد رضي الله عنه حين قال: “كان الصاع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مُدًا وثلثًا بمدّكم اليوم”، في إشارة إلى تغير المقاييس عبر الزمن. وقد دفعت هذه الملاحظة العلماء المسلمين إلى الدعوة لتوحيد الصاع على المقاس النبوي، ضمانًا للعدالة في إخراج الزكاة وسائر المعاملات.

ومثلما دعا العلماء المسلمون إلى توحيد الصاع، اتجه العلماء والمهندسون في العصر الحديث إلى توحيد وحدات القياس عبر ما يُعرف بالنظام الدولي للوحدات  (SI)، الذي تشرف عليه منظمة دولية مرجعية هي المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM – Bureau International des Poids et Mesures).  هذا المكتب يمكن النظر إليه بوصفه مرجعًا عالميًا موحدًا للقياس، تمامًا كما كان الصاع النبوي مرجعًا في زمن النبوة.

وقد أدى تأسيس هذا النظام إلى توقيع اتفاقية المتر، التي أرست قواعد عالمية موحدة للقياس، أصبحت أساسًا لجميع المعاملات التجارية والصناعية والعلمية الحديثة.

لا تقتصر المترولوجيا على كونها علمًا تقنيًا مرتبطًا بالمختبرات والمعايير، بل تُعد عنصرًا حيويًا في بنية المجتمع الحديث، ورافدًا مهمًا للمنظومة القانونية. فهي تضمن حماية المستهلك من الغش في الكميات، وتحفظ حقوق البائع والمشتري في التبادلات التجارية، وتُستخدم في الرقابة الصحية والبيئية، وضمان سلامة الأجهزة الطبية، بل وتمتد حتى إلى العدالة الجنائية حيث تُعتمد أدوات قياس في التحقيقات والقضاء.

فعلى سبيل المثال، في بيع المواد الغذائية أو الوقود أو الذهب، تلعب دقة الميزان دورًا مباشرًا في تحديد الثمن، وأي خلل في القياس يُعد إخلالًا بالعدالة ويقع ضمن الغش المحرّم شرعًا والمجرَّم قانونًا. كذلك، تُستخدم أدوات القياس في مجالات الطب، مثل أجهزة قياس ضغط الدم والحرارة، حيث تمثل الدقة مسألة حياة أو موت.

من الناحية القانونية، تلزم العديد من الأنظمة — مثل نظام القياس والمعايرة السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/51 — بإخضاع أدوات القياس لمعايرة دورية ومطابقة فنية. كما يُعد وجود شهادة معايرة أو تحقق قانوني من مركز معتمد مثل المركز الوطني للقياس والمعايرة (NMCC) تحت رعاية الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة (SASO)  شرطًا لقبول الأجهزة في السوق، أو حتى كأدلة مقبولة في المحكمة.

وقد تناول دليل OIML D1: Elements for a Law on Metrology الصادر عن المنظمة الدولية للمترولوجيا القانونية الأسس التشريعية التي يجب أن تُبنى عليها قوانين الدول في هذا المجال، حيث يربط المترولوجيا بالأمن التجاري والامتثال القانوني، ويوصي بجعلها من صلاحيات الدولة السيادية.

فبينما تُعد الإسنادية الدولية لوحدات القياس من أولويات الدول، فإن الإسنادية المحلية — أي ربط أدوات القياس المستخدمة في السوق بسلاسل مرجعية معتمدة — تُسند غالبًا إلى القطاع الخاص، ممثلاً في الشركات المتخصصة بالمترولوجيا القانونية والخدمات الفنية. وقد أدى هذا الدور الحيوي إلى نشوء سوق عالمي ضخم تُقدَّر قيمته بمليارات الدولارات.

ومن أبرز الأمثلة على هذه الشركات:

  • Bureau Veritas 
  • SGS
  • TÜV Rheinland

وتقدم هذه الشركات طيفًا واسعًا من الخدمات القانونية والاستشارية، منها:

  1. إصدار تقارير فنية قانونية تُستخدم كأدلة في النزاعات القضائية أو التحكيم التجاري، خاصة في قضايا الغش الصناعي، أو رفض المنتجات، أو اختلاف الكميات.
  2. التحقق من أدوات القياس القانونية مثل العدادات والموازين وأجهزة القياس الطبية، لضمان مطابقتها للأنظمة واللوائح الوطنية.
  3. التحقيق الفني في الحوادث أو الخلافات الصناعية، وتقديم تقارير خبرة محايدة تعتمدها الجهات القضائية.
  4. الاستشارات القانونية الفنية حول مطابقة المنتجات للوائح الأسواق المحلية والدولية مثل CE وFDA وSASO
  5. التأهيل للحصول على تراخيص أو شهادات المطابقة من الجهات التنظيمية أو السلطات الجمركية مثل سابر التي تشترطها الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة.
  6. إعداد الملفات الفنية المطلوبة قانونًا لطرح المنتجات في الأسواق، مثل ملفات الاعتماد الفني (Technical Files) وملفات المخاطر.
  7. التدقيق على سلاسل التوريد لضمان الامتثال للمعايير البيئية أو الاجتماعية أو القانونية.
  8. الفحص المسبق قبل الشحن (Pre-shipment Inspection) لضمان صحة الكميات والجودة قبل التصدير، وهو ما له أثر قانوني مباشر في العقود الدولية.

من خلال هذه الخدمات، تُسهم هذه الشركات في ربط عالم القانون بالصناعة، وتحقيق الامتثال التشريعي، وتقديم الخبرة الفنية التي تُستخدم للفصل في النزاعات، أو لحماية الشركات من التورط في مخالفات ناتجة عن خلل في القياسات أو الوثائق.

لقد كشفت المترولوجيا القانونية عن وجهٍ من وجوه العدالة التي ربما تغيب عن الإدراك المباشر، لكنها تمسّ كل فرد في حياته اليومية؛ من شراء الخبز والوقود، إلى تلقي العلاج في المستشفيات، وحتى الدخول في عقود التوريد الدولية. إن توحيد وحدات القياس، والتحقق من دقة أدواته، ليس مجرد شأن فني أو تنظيمي، بل هو فعل قانوني أصيل، يتعلّق بحماية الحقوق، وتحقيق النزاهة، ومنع الغش، وصيانة الثقة في التعاملات التجارية.

وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد سبقت إلى ترسيخ مبدأ “أوفوا الكيل والميزان بالقسط”، فإن القوانين الحديثة تسير على خطاها عبر سنّ تشريعات دقيقة، وتفويض جهات رقابية لضمان الامتثال. وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن أسواق عادلة، أو منتجات موثوقة، أو أجهزة مأمونة دون وجود بنية تحتية مترولوجية متكاملة تشمل:

  • أطر قانونية واضحة.
  • جهات فنية معتمدة.
  • رقابة دورية فعالة.
  • تعاون وثيق بين السلطات التنظيمية والمختبرات والشركات والمستشارين القانونيين.

وقد أصبح لزامًا على المحامين والمستشارين القانونيين إدراك أهمية هذا الحقل، لا سيما في ظل تزايد القضايا التي تنشأ عن اختلاف الكميات أو المواصفات أو المعايرة، وازدياد حجم الصناعة والاستثمارات الخارجية وما يترتب عليها من مسؤوليات مدنية وجنائية وتجارية. كما أن المعايير الدولية، مثل تلك الصادرة عن OIML والاتحاد الأوروبي، باتت تشكل مرجعيات قانونية تُعتمد أمام القضاء والهيئات التحكيمية.

وعليه، فإن المترولوجيا القانونية لم تعد فرعًا تقنيًا معزولًا، بل غدت مرتكزًا قانونيًا سياديًا، يؤثر في الأمن الاقتصادي، والثقة العامة، وموقع الدولة في الأسواق العالمية.

إنها بحق: أمن وعدالة وازدهار.

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *